الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

360

أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)

الاستدلال بالكتاب وعلى كلّ حال : الأصل في هذا الحكم - قبل الإجماع - هو قوله تعالى : وَإنْ خِفْتُمْ ألَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً « 1 » . واللازم أوّلًا بيان معنى الآية الشريفة ومفادها من خلال أمور : الأوّل : ما وجه الارتباط بين الشرط والجزاء ؟ فإنّه قد يبدو في النظر البدوي ، أنّه لا ربط بين الخوف في أمر القسط في اليتامى ، وبين نكاح النساء . وقد ذكر في « مجمع البيان » وجوهاً ستّة لبيان الارتباط « 2 » ، ولعلّ أحسنها أنّهم بعد نزول الآيات في تشديد أمر نكاح اليتامى بأقلّ من مهر المثل ، خافوا من نكاحهم ، فنزلت الآية ، والمراد : إن خفتم من عدم العدالة في نكاحهم ، فانكحوا غيرهنّ ، ثمّ أجاز لهم نكاح الاثنتين ، والثلاث ، والأربع . الثاني : معنى قوله تعالى : مَثْنى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ اثنين اثنين ، وثلاث ثلاث ، وأربع أربع ؛ أي كلّ واحد منكم يتزوّج باثنين ، أو ثلاث ، أو أربع ؛ إن أحبّ ، فالتعدّد لتعدّد المكلّفين ، وأمّا الذي يخاف من عدم العدالة بينهنّ ، فيختار واحدة فقط . الثالث : الواو هنا بمعنى « أو » فهو للتنويع ، لا للجمع . ويشهد له أنّه لو كان بمعنى الجمع كان معناه جواز التسع ، أو جواز ثماني عشرة ، كما ذكره المحقّق الثاني « 3 » ؛ لأنّ مثنى بمعنى اثنتين اثنتين ، وكذا ما بعده ولا يقول به أحد . وقد عرفت : أنّ للتسع لفظاً خاصّاً بها ، ولا تجد إنساناً في أقلّ حدّ من المعرفة ، يختار لبيان عدد « التسع » : « اثنين ، وثلاث ، وأربع » فكيف باللَّه العالم القادر في كتابه الذي قال في حقّه : قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ « 4 » ؟ !

--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 3 . ( 2 ) . مجمع البيان 3 : 11 . ( 3 ) . جامع المقاصد 12 : 374 . ( 4 ) . الزمر ( 39 ) : 28 .